الشيخ الطبرسي
93
تفسير جوامع الجامع
وإذا أَرادَ أَن يَصْعَدَ بَسَطَ الأَسَدَانِ لَهُ ذَراعَيْهِمَا ، وإذا قَعَدَ أَضَلَّهُ النِسْرَانِ بأَجْنِحَتِهمِا من الشَمسِ ( 1 ) . وَالجَوابِي : الحِيَاضُ الكِبَارُ لأنَّ المَاءَ يَجيءُ فيهَا أي : يُجْمَعُ ، جَعَلَ الفِعْلَ لَهَا مَجَازاً وهي من الصِّفَاتِ الغَالبةِ كالدَّابَّةِ ، وَالقِياسُ أَن تثبتُ الياءُ ، فيهِ ، وَمَنْ حَذَفَ الياءَ في الوقْفِ أو في الوَصْلِ والوَقْفِ فلأنَّهُ مُشَبَّهٌ بالفَاصِلَةِ ( اعْمَلُواْ ) حكَايةُ ما قيلَ لآل داودَ ، وانتصَبَ ( شُكْراً ) على أنَّهُ مفعُولٌ لَهُ ، والمعنى : اعملُوا للهِ واعبدُوهُ على وَجْهِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ ، وفيهِ دَلاَلةٌ على أنَّ العبادةَ يجبُ أَن تُؤَدَّى على وَجْهِ الشُّكْرِ ( 2 ) ، أو على الحَالِ ، أي : شَاكِرينَ أو على تَقْديرِ : اشكُروا شُكْراً ، لأنَّ " اعْمَلُوا " فيه معنَى الشُّكْرِ مِنْ حَيثُ إنَّ العَمَلَ للمُنْعِمِ شُكْراً لَهُ ، و ( الشَّكُورُ ) : المُتَوفِّرُ على أَداءِ الشُّكْرِ ، البَاذِلُ وُسْعَهُ فيهِ ، وقَد شَغَلَ بهِ قَلْبَهُ ولسانَهُ وجوارحَهُ اعتقَاداً واعترافاً وكدْحَاً . ( فَلَمَّا ) حَكَمْنَا على سليمانَ ( الْمَوْتَ ) مَا دَلَّ الجِنَّ ( عَلَى مَوْتِهِ إلاَّ دَآبَّةُ الأَرْضِ ) وَهِيَ الأَرَضَةُ ( تَأْكُلُ مِنْسَأتَهُ ) وهي العَصَا الكَبيرةُ يَسُوقُ بهَا الرَّاعي غَنَمَهُ ، مِن : نَسَأْتُهُ إذا زَجَرْتُهُ ، وقُرِئ : " منسأتَه " بتَخْفيفِ الهَمْزةِ ( 3 ) ( تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ ) مِنْ تَبَيَّنَ الشَّيءُ إذا ظَهَرَ وتَجَلَّى ، و ( أَنْ ) مَعَ صِلَتِهَا بَدَلٌ من ( الْجِنّ ) وهُوَ بَدَلُ الاشتِمَالِ ، تقُولُ : تبيَّنَ زَيدٌ جَهْلُهُ . أَي : ظَهَرَ أَنَّ الجِنَّ ( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) ، أو : عَلِمَ الجِنُّ كُلُّهُمُ عِلْماً بيِّناً بعد الْتباسِ الأَمْر على عامَّتِهِم وتَوهُّمِهِمْ أَنّ كِبارَهُم يَعلَمُونَ الغَيْبَ ، وعَنْهُم ( عليهم السلام ) : " تبيَّنت الإِنس " ( 4 ) ،
--> ( 1 ) رواه الزمخشري في الكشاف : ج 3 ص 572 . ( 2 ) ليس في نسخة : " وفيه دلالة . . . " . ( 3 ) وهي قراءة نافع وأبي عمرو . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 622 . ( 4 ) أُنظر التبيان : ج 8 ص 384 .